في المراحل الصعبة والأحوال القاسية والظروف المظلمة للأمة تنبثق القيادة الربانية الرشيدة، لأن من سنن الله تعالى أن يبعث عبر التاريخ عموما وفي هذه الأمة خصوصا قيادة ربانية راشدة تقوم بوظيفة الأنبياء المتعلقة بسياسة الناس وإخراجهم من ظلمات الشرك والظلم والجهل إلى نور الإسلام والعدل والمعرفة.والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة تجلي للناس عموما والمؤمنين خصوصا صفات تلك القيادة وخصائصها وطبيعة تكوينها وملامح شخصيتها، كيف لا والناس بحاجة إلى تجلية حقيقة الصحيح من الدعي؟ كيف لا والمؤمنون مطالبون بالالتفاف حول هؤلاء المجددين ليقوموا بمهمتهم الشاقة؟ ألم يخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عنهم بالقول: "أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ"! وفي هذا إشارة إلى مكانة من يطيعهم!الحديث عن القادة والاهتمام بهم همُّ الكبار من الرجال.. بل هم العظماء من القادة! فالإداريون يحدثونك عن المشاريع الناجحة وعن المواقع الحساسة وعن السلع الرائجة.. هذا أكبر همهم للنجاح، أما القادة فيبحثون عن القادة.. لتستمر المسيرة ويتواصل العطاء.. وصدق عمر (الملهم) عندما قال: "لوددت أن لي ملأ هذا المسجد رجالا من أمثال أبي عبيدة استعملهم في الإسلام"! –رضي الله عنك يا عمر!إن أحاديث القرآن الكريم والسنة المطهرة عن القيادة لا تأتي في سياق النظرية المجردة، أبدا بل هي مبثوثة في ثنايا الحديث عن القيادات البارزة في مسيرة البشرية، تجلي لنا بيئتهم وظروف معيشتهم وأسلوب تفكيرهم وسلوكهم ومواقفهم الحية والمباشرة ونظرة الناس لهم والأدوار التي تبرزهم والمنعطفات التي تدفع بهم للمقدمة.. إلى غير ذلك من الدروس والعبر.فالقيادة لا تتخرج من "المقاعد" المشلولة و"الأسوار" المقيدة و"المناهج" الرتيبة.. إنهم صنعة الحياة ونتاج المجتمع وبذور التاريخ ومخرجات الأزمات ومنحة الله -قبل كل شيء- للناس. فليس لأحد بعد ذلك أن يتعلل بالقدر أو أن يركن للناس!إنهم جزء من البشرية، وعنصر في مجتمعهم، لكن شخصيتهم تفرض وجودها بقوة متسللة من خلال المواقف والأفكار والتأثير. فمن أهم خصائصهم التأثر والتأثير والاستجابة والتغيير.. "وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ، فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ"، القصص: (15-19).إنهم يحملون قيما ويمتلكون إرادة ويسجلون موقفا، فهم ليسوا خواء من القيم العادلة والخيرة المعطاءة، كما أن القيم لديهم ليست نظرية فكرية لا تمتلك وجودا ولا يسعى لتحقيقها.. كلا!لعلهم يندفعون فيخطئون! لكن خطأهم طبيعي في ضوء تلك الإرادة القوية والفاعلية الإيجابية وروح العجلة (التي تصيبهم في بعض اللحظات، لإرادتهم الخير!).. "وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا"، طه: (83- جزء من الآية 86).صحيح أن التعجل فطرة بشرية في العموم، غير أن القادة –وعلى رأسهم الأنبياء- أكثر استعجالا في الخير، لذا تكرر في القرآن الكريم نهيهم ونهي المؤمنين من أتباعهم عن هذا التعاطي مع الأحداث والآمال.. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.. ليس المقام مقام ذكرها.إن القرآن يخبرنا أن هؤلاء القادة يمتلكون خصائص جسدية وعقلية ووجدانية ونفسية تميزهم عن غيرهم.."وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ"، البقرة: 247."فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ"، البقرة: 251."قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ"، القصص: 16."قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ"، يوسف: 55.إنهم يتمتعون بكمال أجسامهم وقوة أجسادهم، وهذا لا يخص عالم البشر فحسب، بل هو قانون إلهي في سائر المخلوقات، أن يتميز القياديون بملامح القوة.. لكي يستطيعوا دعم الحق الذي يحملونه والعدل الذي يفرضونه والخير الذي ينشرونه. وفي جميع العوالم ترتكز القيادة في العناصر الأقوى جسدا، فجبريل أقوى الملائكة، وإبليس ومردة العفاريت أقوى الجن، وهكذا الحال في عالم الحيوانات!وضعف الجسد يتبعه غالبا ضعف في الشجاعة الأدبية والعزيمة الفاعلة والإرادة الصلبة والنفس الطويل لدى المشاق. لكن البعض يقف عند هذا الحد من خصائص القيادة، ويختزل القيادة في ملمح واحد من ملامح الشخصية وتجلياتها.. وهذا خطأ.فليست القوة المادية كل شيء، فمن خصائص القيادة أيضا قوة العقل في جميع مكوناته ووظائفه.. وهو ما يعبر عنها القرآن بـ"بسطة في العلم"، ولا شك في أن البسطة في العلم لا تكون إلا مع ما يمنحه الله للعبد من ذاكرة نشطة وفهم دقيق وإدراك سريع وذكاء وقاد.. فكلما اتسع الوعاء اتسع مضمونه!إن من اللفتات الجميلة للسؤال الرباني لموسى عليه السلام "وما تلك بيمينك يا موسى؟"، إظهار المدارك العقلية في توظيف الوسائل لأكثر من مهمة وعمل لمن اختير لمهمة ضخمة: "قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى"، فلم يتوقف موسى في الإخبار عن عصاه بوظيفتين بل ترك المجال خصبا للخيال: "ولي فيها مآرب أخرى"! وقد وقفت على بعض هذه المآرب فعددت أربعين منها!!ومن خصائص القيادة تقديرها للذات ولمتطلبات المهمة وتكاملها معالمزيد






















